تحت شعار "نحن من نصنع مستقبلنا مع الذكاء الاصطناعي"، ناقش نخبة من أبرز علماء العالم، بينهم حائزون على جوائز نوبل وتورينغ.
الآثار العميقة والمصيرية للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد ومستقبل الوظائف وصنع القرار والبحث العلمي، وذلك خلال "منتدى علوم الذكاء الاصطناعي" المنعقد ضمن فعاليات القمة العالمية للعلماء التي تُعقد بالتزامن مع القمة العالمية للحكومات 2026.
وشكّل المنتدى، الذي جرى على مدار اليوم المشترك بين القمتين في 3 فبراير الجاري، منصة حوار عالمي رفيعة المستوى، شارك فيها أكثر من 100 عالم وقائد من الحاصلين على أرفع الجوائز العلمية وقيادات المؤسسات البحثية العالمية، للتأكيد على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي هو "خيار مجتمعي مشترك" وليس قدراً محتوماً، وأن مسار التحولات في الوظائف والسياسات يعتمد في الأساس على القرارات البشرية.
قوة حاسمة وتحديات كبرى
وصف البروفيسور أشر كوهين، الرئيس السابق للجامعة العبرية في القدس، الذكاء الاصطناعي بأنه "القوة الحاسمة في العصر الحديث"، مشيراً إلى أن ثورة التعلم العميق جعلته جزءاً لا يتجزأ من جميع مناحي الحياة، متجاوزاً النقاشات الضيقة حول نماذج اللغة. وأكد على دوره الأساسي في المجالات الثقافية والاقتصادية والعلمية، مسلطاً الضوء على مساهمته في صياغة قرارات مصيرية تتراوح بين العلاجات الطبية وتوظيف الأفراد ووضع السياسات العامة. وحذّر كوهين من أن الانتشار المتسارع لهذه التكنولوجيا يفرض في المقابل "تحديات اجتماعية كبرى" تستدعي دراسة جماعية.
الاقتصاد والوظائف: تحول وليس إلغاء
من جهته، قدّم البروفيسور كريستوفر بيساريدس، الحائز على نوبل في الاقتصاد (2010)، رؤية واقعية لتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، مؤكداً أن التغيرات التكنولوجية "لا تؤدي إلى إلغاء الوظائف بقدر ما تتسبب في تحولها"، وأن نتائج التوظيف لا تزال خاضعة للاختيارات البشرية وليست حكراً على العامل التقني. وحذّر من الانجراف وراء التوقعات بتحقيق الذكاء الاصطناعي "لمعجزات" في الإنتاجية، مقارناً ذلك بالتحول الاقتصادي التدريجي الذي شهدته الصين.
وركز بيساريدس على التحديات التي قد تُبطئ من تبني الذكاء الاصطناعي، مثل الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية للطاقة والاتصالات، وإعادة تدوير المهارات للقوى العاملة. ووجّه رسالة عاجلة إلى صانعي السياسات بضرورة "الاستثمار في البنى التحتية وقطاعات الطاقة الآن"، كما حثّ الجميع على التركيز على التقنيات التي "تحسّن الجهد البشري بدلاً من أن تحل محله".
تسريع الاكتشاف العلمي ونقلات نوعية
في المحور العلمي، سلّط البروفيسور مايكل ليفيت، الحائز على نوبل في الكيمياء (2013)، الضوء على الدور الثوري للذكاء الاصطناعي في تسريع وتيرة الاكتشاف. وأشار إلى قدرته على تمكين العلماء من استكشاف عدد أكبر من الأفكار وتسريع أعمال الحوسبة بحوالي 10,000 ضعف، وذلك من خلال خفض تكاليف ومدد التجارب بشكل كبير. كما لفت إلى أن الحواجز بين التخصصات العلمية آخذة في التراجع، مما يتيح للباحثين العمل في مجالات متعددة بسهولة غير مسبوقة.
تحذيرات من المخاطر والهيمنة
لم تُغفل المناقشات الجانب المظلم والمخاطر المحتملة. فقد حذّر البروفيسور مايكل جوردان، الحائز على جائزة الرابطة العالمية لكبار العلماء (2022)، من أن النماذج الأساسية للذكاء الاصطناعي، رغم تفوقها في المعارف السابقة، "لا تظهر الكفاءة نفسها عندما يتعلق الأمر بالاكتشافات العلمية الحديثة". كما أشار إلى أن هذه الأنظمة أصبحت "شبكات اجتماعية تقنية واسعة النطاق" تثير تساؤلات حرجة حول تدفق البيانات والحوكمة.
وفي كلمته الختامية، تطرّق البروفيسور ويتفيلد ديفي، الحائز على جائزة تورينغ (2015)، للمخاوف المتعلقة بسيطرة الذكاء الاصطناعي، محذراً من فرض "قيود صارمة واحتياطات تمنح الذكاء الاصطناعي صلاحيات واسعة ضمن نظام يفتقر إلى الشفافية".
تحديات أخلاقية ومعلوماتية
وخلال جلسة حوارية، سلّط الدكتور كايشن دونغ من جامعة تسينغوا الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع التعليم والبحث، لكنه حذّر في الوقت ذاته من خطر الإفراط في اعتماد الطلاب عليه. من جانبه، اعتبر الدكتور ستوارت هابر، رئيس شركة ستوارت هابر كريبتو، انتشار مقاطع الفيديو المزيفة (ديبفيك) "تهديداً كبيراً للحقيقة المشتركة"، داعياً إلى تعاون دولي واستخدام أدوات التشفير لحماية نزاهة المعلومات والتحقيق في التزييف.
خرج المنتدى برسالة واضحة مفادها أن استغلال إمكانات الذكاء الاصطناعي الهائلة وتجنب مخاطره يتطلبان حواراً عالمياً مستمراً واتخاذ خيارات مجتمعية مسؤولة وابتكاراً في آليات الحوكمة، لتكون هذه التقنية الحاسمة في خدمة المستقبل الذي يصنعه البشر.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق